تقرير حول حلقة
علمية بعنوان: "مكافحة الإرهاب وتنمية الحس الأمني"
نظمتها جامعة
نايف العربية للعلوم الأمنية بمقرها في مدينة الرياض
25-28/12/1425هـ
الموافق 5-8/12/2005 م
الدكتور/ محمد
السيد عرفة
عضو هيئة
التدريس بكلية الدراسات العليا
جامعة نايف
العربية للعلوم الأمنية
المقدمة
لما كان الأمن
الوطني هو الغاية من الاستراتيجية الأمنية التي تسعى كل دولة إلى تحقيقها بتوفير
الإمكانيات المادية والبشرية التي تكفل تنفيذها على أرض الواقع, فإنها في سبيل ذلك
تضع في حسبانها ضرورة أن تسير إجراءات ضبط الجرائم ومعاقبة المجرمين جنباً إلى جنب
مع إجراءات الوقاية منها قبل وقوعها. ومن ثم تسعى إلى إعداد الكوادر القيادية في
المجالات الأمنية والإدارية بصفة عامة, للمساهمة في تحقيق هذه الأهداف والغايات,
فتخصص لها الدورات التدريبية والندوات والحلقات العلمية التي تتناول المواضيع
الحيوية, كموضوع " تنمية الحس الأمني ودوره في مكافحة الإرهاب",
الذي يعد من أهم المسائل التي تشغل المسئولين في مختلف القطاعات الأمنية,
والقطاعات ذات الصلة الوثيقة بالشباب الذين هم عدة المستقبل. لذا يجب توجيه أكبر
قدر من العناية والرعاية لهم, بإرشادهم وتوجيههم؛ بتنمية الجوانب الفكرية
والسلوكية لديهم, حتى يكونوا أداة لحماية وطنهم, فيقفوا صفاً واحداً في وجه كل من
تسول له نفسه المساس بأمنه وسلامته, مع التزامهم بالثوابت الدينية والوطنية.
وفي إطار هذه
الأهداف والغايات النبيلة التي تسعى الأجهزة الأمنية المتنوعة إلى تحقيقها, عقدت
الحلقة العلمية الخاصة حول: " مكافحة الإرهاب و تنمية الحس الأمني
", في مقر جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في مدينة الرياض في المدة من 25
- 28/12/1425 ( الموافق 5-8/2/2005 م ).
وفيما يلي
نوضح الأهداف التي سعت هذه الندوة إلى تحقيقها, والمواضيع التي تناولتها, وأسلوب
العمل بها, ثم نعرض بإيجاز لمضمون الأوراق العلمية التي قدمت فيها, ونظرة عامة على
أعمال هذه الحلقة العلمية.
أولاً:
أهداف الحلقة العلمية
سعت هذه الحلقة العلمية إلى تحقيق عدد من
الأهداف العلمية العامة والخاصة, التي تمثلت فيما يلي:
الأهداف العامة هي :
·
تأصيل الاهتمام بالشباب وبنائهم الفكري والسلوكي.
·
معايشة الواقع الميداني للشباب.
·
معرفة المؤثرات الفكرية والسلوكية لانحراف الشباب.
·
التأكيد على حاجة الشباب في الوقت الحاضر للرعاية والتوجيه.
·
الوقوف على أهمية الدور الثقافي والتربوي للمنظومات الإدارية
المكلفة برعاية الشباب.
الأهداف
الخاصة: تمثلت في خمسة أهداف هي:
§
أهمية البناء الفكري والسلوكي للشباب السعودي بالأندية
الرياضية.
§
بيان الدور المستقبلي للشباب في بناء الوطن.
§
إبراز أهمية الدور الفعال للمسئولين عن التوجيه المباشر للشباب.
§
معرفة مصادر الخطر للانحراف الفكري والسلوكي.
§
الوقاية وسبل العلاج للانحرافات الفكرية والسلوكية عند الشباب.
ثانياً:الموضوعات
التي تناولتها الحلقة العلمية
تناولت هذه الحلقة الموضوعات التالية:
1. ظاهرة الإرهاب
بصفة عامة.
2. الشباب طاقات
الأمة وثروتها الوطنية.
3. التربية
الإسلامية ودورها في وقاية الشباب من الانحراف.
4. الوعي والحس
الأمني لمشاكل الشباب.
5. الشباب بين
الانحراف الفكري و الانحراف السلوكي.
6. محاضن الشباب
ورسالتها التربوية.
ثالثاً
المستفيدون من هذه الحلقة: هم
العاملون في الإشراف الثقافي والشبابي بالأندية الرياضية.
رابعاً:
أسلوب العمل بالحلقة
لقد جرى أسلوب العمل في هذه الحلقة باتباع
أسلوب العرض الموجز للموضوعات والأبحاث المقدمة من قبل أعضاء الهيئة العلمية, ثم
عقب المشاركون, بطرح أسئلة ومداخلات, ثم فتح باب الحوار والمناقشة في حدود الزمن
المقرر.
خامساً:عرض
موجز لمضمون الأوراق العلمية المقدمة في الحلقة العلمية
قدمت في هذه
الحلقة ست محاضرات علمية؛ منها خمس أوراق علمية, وواحدة لم تقدم فيها ورقة علمية
مطبوعة هي : محاضرة بعنوان:"الشباب طاقات الأمة وثروتها الوطنية " قدمها
الدكتور سعود الضحيان, الأستاذ بكلية الآداب, قسم الدراسات الاجتماعية بجامعة
الملك سعود .
وسأعرض فيما يلي لمضمون الأوراق العلمية
المطبوعة, حسب الترتيب الزمني لتقديمها, وذلك على النحو التالي:
1
- ورقة عمل بعنوان: " مقدمة في ظاهرة الإرهاب والاهتمام العربي بمكافحة
الإرهاب ", قدمها الدكتور/ علي فايز الجحني , عميد كلية التدريب بجامعة
نايف العربية للعلوم الأمنية, حيث تحدث في المقدمة عن ظاهرة الإرهاب بصفة عامة, ثم تناول موضوع
الاهتمام العربي بمكافحة الإرهاب : والذي تمثل في :
(أ) إقرار
مجلس وزراء الداخلية العرب في دورة انعقاده في بغداد بقراره رقم (18) وتاريخ
7/12/1983م " الاستراتيجية الأمنية العربية " التي تهدف إلى
حماية المجتمع العربي من الإرهاب والتخريب وصنوف الجريمة كافة, والتي تضمنت عدداً
من الأهداف التي تتعلق بمكافحة الجريمة في جميع صورها مع الحفاظ على أمن الوطن
العربي وحمايته من المحاولات العدوانية للإرهاب والتخريب الموجه من الداخل
والخارج, والحفاظ على أمن الفرد في الوطن العربي وضمان سلامة شخصه وحريته وحقوقه
وممتلكاته.
وحددت
الاستراتيجية عدداً من المقومات لتحقيق أهدافها, منها تحصين المجتمع العربي ضد
الجريمة بالقيم الأخلاقية والتربوية النابعة من أحكام الشريعة الإسلامية, وترشيد السياسة
الجنائية باستقاء قواعدها من مبادئ الشريعة الإسلامية, دون إغفال تجريم الانحرافات
السلوكية المستحدثة بفعل المتغيرات الاجتماعية.
(ب) الاتفاقية
العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998م: عرض الباحث وصفا موجزا لهذه الاتفاقية وأبوابها وفصولها, ثم أشار إلى تعريفها
للإرهاب من وجهة النظر العربية, وأحكامها المتعلقة بتبادل المعلومات حول النشاطات
الإرهابية وتسليم المطلوبين بأعمال إرهابية, وأحكامها المنظمة للتعاون العربي في
مجال مكافحة الإرهاب, سواء فيما يتعلق بالجانب الأمني أو الجانب القضائي, خاصة
تسليم المجرمين والإنابة القضائية. ورأى الباحث أنه مع المتغيرات الدولية, وتسارع
الأحداث يتعين على الدول العربية أن تعطي التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب
الاهتمام الأكبر, مع الالتزام التام بكافة الاستراتيجيات والاتفاقيات العربية
لمكافحة الإرهاب. كما أوضح أهمية التعاون العربي الأمني, مع ذكر العوامل والأمثلة
التي تؤكد ذلك.
2 - ورقة عمل
بعنوان:" التربية الإسلامية وأثرها في وقاية الشباب من الانحراف",
قدمها الدكتور/ محمد المدني بوساق رئيس قسم العدالة الجنائية بكلية الدراسات
العليا في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية, تضمنت هذه الدراسة: مقدمة وأربعة
مباحث وخاتمة:
تناول في المبحث الأول التعريف بمفردات
الموضوع: وهي الشباب, والتربية الإسلامية, والانحراف.
وتضمن المبحث
الثاني: خصائص التربية الإسلامية, وقد حصرها الباحث في عشر خصائص هي :
(1)
الربانية, أي تحقق العبودية الكاملة لله تعالى, إذ لا جدوى من التربية إن لم
تنطلق من العبودية لله، وتترسم خطى الوحي الذي هو المفتاح الوحيد لفك أسرار النفس
البشرية وطبعها بالاستقامة.
(2) الرحمة:
حيث نالت رحمة الإسلام جميع العالم، سواء من أسلم منهم أو من بقي على دينه، فمن
آمن فقد نال المصالح كلها، ومن لم يؤمن لم يفقد كثيراً من المصالح العاجلة. وقد
صبغت الشريعة الإسلامية جميع التصرفات بالرفق والرحمة واللّين.
(3) الإنسانية:
وذلك لأن التربية الإسلامية عالمية وتقبل بوجود شركاء للمسلمين في الدنيا وتأمر
بالتعايش ولا تكرّه أحداً على اعتناق الإسلام (لا إكراه في الدين). لهذا فقد حفظت
الشريعة خاصية الإنسانية لإظهار الكرامة الإنسانية والمحافظة على حقوقها، ولن يكون
اختلاف الدين مانعاً من التعايش بسلام واحترام وتأدية حقوق القرابة والوالدين.
ولاحظ الباحث أن طرق التربية الأخرى تربي المواطن الصالح، بينما التربية الإسلامية
تربي الإنسان الصالح.
(4)الـواقـعـيـة: فالتربية
الإسلامية ليست من ضروب التخيلات والأوهام، بل هي واقعية تتعامل مع الإنسان بما
فيه من دوافع وبواعث وغرائز، ومع ظرف الزمان والمكان والأحوال. فالحرج مرفوع، وإذا
ضاق الأمر اتسع، ولا حرام مع الضرورة ولا واجب مع العجز، وأن المشقة ليست مقصودة
في التكاليف الشرعية وإنما المقصود هو الظفر بالمنافع والمصالح التي تنتج عنها كما
في الصوم وغيره.
(5) التوازن
بين التذكّر والتفكّر: فهذه الخاصية تعّد الفرد المسلم ليكون منطلقاً من
قناعات قطعية محفوظة تكوّن المعلومات الضرورية والأساسية التي تحافظ على خصائصه
ومقوّماته وعلاقاته بربه، وبالكون وجميع ما يتصّل بالعبادات ونحوها.
(6) الإنصاف
والمساواة:
فالتربية الإسلامية تنطلق في ذلك من قناعات شرعية وحقيقية ليست شعارات دعائية ولا
اصطناع عدالة لا تنفذ إلى النفوس وتصبح قناعات تلقائية. ومن هنا وجدنا التربية
الإسلامية تنشئ الفرد على مسلمات عقلية، ووجدانية بأنه لا فضل لأحد على أحد إلاّ
بالعمل الصالح، ولا فضل لعربيّ على عجمي ولا أحمر على أسود إلاّ بالتقوى.
(7) المرونـة
والثـبــات: فهذه الخاصية تشير إلى وجود قطعيات لا
تتغيّر ولا تتبدّل بمرور الزمان، أو تغيّر المكان لثبات أسبابها وعلاقاتها، وثبوتها
بنصوص قطعية أو إجماع, وتعّد هذه الثوابت قاعدة معلومات أساسية تنطبّع في الفرد
منذ الصغر.
(8) الشمول والتوازن والتكامل: تهدف
التربية الإسلامية إلى إصلاح الإنسان جملة جسماً وعقلاً وروحاً، في توازن دقيق،
وتكامل متضامن، وتحقيق ذلك يعتمد على مراعاة جميع ما يحتاجه الإنسان بروحه وجسده
وتحقيق رغباته المشروعة، وإشباع تطلّعاته الفطرية وغرائزه في حدود المطلوب شرعاً.
(9) أنها
علمية وعملية: تعتمد على العلم الشرعي الذي يؤخذ من المصادر الشرعية والبحث
العلمي الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية ببذل الجهد للوصول إلى
أصوب وأنسب وأصلح الطرق التربوية المفيدة والتي تؤتي أكلها كل حين.
(10) التجدد
والاستقرار:
فإن التربية الإسلامية مستمرة بثوابتها ومرونتها لتغطية جميع الأزمان فهي كشجرة
طيبة أصلها وأساسها ثابت وفروعها ممتدة عبر الأزمنة المختلفة والأماكن المترامية.
المبحث
الثالث: وسائل التربية الإسلامية
أشار الباحث
إلى أن التربية الإسلامية تعتمد على وسائل عديدة لإحداث التأثير المطلوب في الشباب
منها:
الأســرة: وهي الحضن
الدافئ والحصن المنيع للتربية الناجحة، أو هي الحاضنة والمربيّة والراعية للأطفال
والمهيئة لهم. ولا يشك أحد في أهمية دور الأسرة في تربية الأفراد ووقايتهم من
الانحراف والجريمة, فلا يمكن تعويض ذلك الدور عن طريق أيّ مؤسسة اجتماعية أخرى.
والمـدرســة: وهي من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تحتضن
النشء وتعمل على تعليمه وتربيته، فهي وسيلة التربية الإسلامية في إعداد جيل يتصّف
بالأخلاق العالية، وحفظ الخصائص والفضائل.
والمسـجــد: الذي يعّد أهم مؤسسة
تربوية في الإسلام فقد كان ولا يزال من القلاع التي أخرجت للأمة في مختلف الأزمان
عظماء الرجال الذين قادوا أمتهم إلى المعالي والانتصارات, والدور الذي يقوم به المسجد في التربية
دائم ومستمر.
وسائل الإعلام المختلفة: السمعية
والبصرية والشبكة العنكبوتية, إذ لا يخفى على أحد تأثيرها ودورها في تربية المجتمع
بصفة عامة والشباب بصفة خاصة. وإذا ما أحسن استعمالها في التربية الإسلامية وتوجيه
الناس فإنها تحقّق النتائج الباهرة، ولا بدّ عند استعمال هذه الوسائل مراعاة شروط
التأثير عن طريق ابتكار طرق وأساليب ناجحة فلا تقتصّر على الأساليب المملة التي
يهجرها الناس، خاصة صغار السن منهم. ومن الأساليب المفيدة في تربية الجيل في عصرنا
استخدام القصة والرواية والنشيد والإقناع العلمي والعقلي، والإثارة الوجدانية
والتشويق، وضرب الأمثال مع الترغيب والترهيب ونحو ذلك، ممّا يجب ابتكاره واكتشافه.
.المجتمع
الصالح: يعّد من أهم وسائل التربية الإسلامية، لأن الفرد يتعلّم داخل المجتمع،
ويأخذ منه قسطاً وافراً من العادات والسلوكيات السوية تماماً, وعليه فلا بدّ من
إصلاح المجتمع بإزالة التناقض والتعارض الحاد بين العقيدة وطرق العيش لدى الناس من
جهة، وبين الحكام والمحكومين من جهة أخرى، ويتحقّق ذلك بالمحافظة على الثوابت
وحمايتها، وإقامة جميع فروض الكفاية، وهي المصالح المشتركة بين المواطنين وإقامة
العدل والمساواة بين أبناء الأمة حتى لا يطمع شريف في تجاوز الحق، ولا ييأس ضعيف
من وصوله إلى حقه.
المبحث
الرابع: أساليب التربية الإسلامية وأثرها في وقاية الشباب من الانحراف: تناول الباحث
في هذا المبحث موضوعين:
الأول: تزكية
النفس بالتربية وأثرها في الوقاية من الانحراف : فللتربية الإسلامية
أساليب عديدة منها:التربية بالقدوة الحسنة، والتربية بالترغيب والترهيب، والتربية
بالقصص القرآني والنبوي، والتربية بالموعظة الحسنة، والتربية بالعبادات، والتربية
بأسلوب العبر التاريخية والحكم العقلية، وبالسؤال والجواب وضرب الأمثال والبيان
الساحر. وهي جميعها تهدف إلى إصلاح الفرد ووقايته من الانحراف، لأن جميع الأفعال
الضارّة والصالحة مصدرها الفرد الذي هو المحور والمنطلق للأسرة والمجتمع, فما
الأسرة والمجتمع إلاّ مجموعة الأفراد, ، وإذا نشّئ الشاب تنشئة صالحة على المبادئ
السامية لديننا الحنيف أشرقت جوانب الخير في نفسه، وأضاءت مصابيح الطهر في قلبه،
وتخللّت إشعاعات الهداية إلى خفايا نفسه، وأصبح الدين عنده ضرورة حياة، وفي وصية
رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ لابن عمر: (يا ابن عمر دينك دينك إنمّا هو
لحمك ودمك).
الثاني: التربية
على الإيمان وأثرها في الوقاية من الانحراف, إذ أن أساس العقيدة الإسلامية هو
الإيمان بالله الواحد الفرد الصمد لا شريك له. لذا فإن ترسيخ معرفة الله تعالي
بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا يورث اليقظة والتهيؤ لاستجابة الأمر والوقوف عند
النهي ,فكلما قوي إيمان الفرد فإنه لا ينجرف إلى الانحراف والفساد .
الثالث:
التربية بالعبادات وأثرها في الوقاية من الانحراف:وأعظم العبادات وأفضلها
الصلاة .
الرابع:
التربية على منهج الوسطية وأثره في وقاية الشباب من الانحراف الفكري: فالتربية
الإسلامية تقوم أساساً على منهج الوسطية السمحة والاعتدال، وعدم التشدّد والغلوّ
والتطرّف.والواقع أن ما عرضه الباحث يعد ـــ كما يقول في خاتمة الورقة ـــ
قطرة من بحر في فروع التربية
الإسلامية. وخلاصة القول في التربية الإسلامية أنها توافق مراد الله في خلقه
الإنساني, وتحديد خصائصه, ونظرته
إلى الوجود والكون, والغاية, والمصير، فإن الله تعالى خلق الإنسان لأمر عظيم، وشأن
جليل، ولن تتحقّق هذه الأهداف إلاّ بتربية إسلامية سليمة، ممتدة في الآفاق تجمع
بين الفعل والعقل والتفكّر والتذكّر والتوازن بين المادة والروح، بين الفرد
والجماعة، بين الدنيا والآخرة.
3 - ورقة عمل
بعنوان: " محاضرة في الحس الأمني " قدمها العقيد الدكتور/ أحمد بن
عبد الله السعيد, عضو هيئة التدريس بالمعهد الثقافي, بوزارة الداخلية في المملكة
العربية السعودية, تضمنت مقدمة وفصلين , وذلك على النحو التالي :
الفصل الأول
بعنوان : ماهية الحس الأمني , قسمه الباحث إلى أربعة مباحث على النحو التالي
:
المبحث الأول:
تعريف الحس الأمني: في اللغة والاصطلاح, يقصد بالحس: "الإدراك
بإحدى الحواس الخمس ", ويقصد بالأمن:" مجموعة الإجراءات التربوية,
والوقائية, والعقابية, التي تتخذها السلطة لصيانته واستتبابه داخليا وخارجيا،
انطلاقا من المبادئ التي تدين بها الأمة ولا تتعارض أو تتناقض مع المقاصد والمصالح
المقيدة ". ثم عرض الباحث تعريفات عدة للحس الأمني, وخلص إلى القول إنه يقصد
بالحس الأمني " صفة خاصة من صفات الشخصية تمكن من يمتلكها من التعرف على
الأشياء وإدراكها والتمييز بينها, ومن ثم تفسيرها تفسيرا كليا صحيحاً, والتوقع
الصادق لكل الاحتمالات كما تمكنه من أن يستشعر الأخطار ويعرف مصادرها, وبالتالي
يستطيع القضاء عليها قبل وقوعها أو مواجهتها بفاعلية فور وقوعها ".
أما المبحث
الثاني فقد عالج فيه الباحث علاقة الحس الأمني ببعض المصطلحات الغريبة
مثل الإحساس, حيث رأى الباحث أن مصطلح الحس الأمني أبعد في معناه وأوسع عن مجرد
الإحساس, مثل مصطلح الإدراك الحسي, الذي يقصد به العملية العقلية التي تتم بها
معرفتنا للعالم الخارجي، وتأويل المدرك وتفسيره. وللإدراك الحسي علاقة وثيقة بالحس
الأمني. وخلص الباحث إلى أن الحياة العقلية تبدأ بالإحساس، ثم تنتقل إلى مرحلة
متقدمة وهي مرتبة الإدراك الحسي, وفيما يتم خلق معاني ودلالات على المنبهات الحسية،
أي تأويلها وتفسيرها.
ثم تناول في المبحث
الثالث: خصائص الحس الأمني, وأهمها:
0 صدق الإحساس, وحسن تقدير الأمور, والحكم على
الأشياء، والقدرة على استغلال الفرص المتاحة.
0 الحس الأمني صفة من صفات الشخصية لا تتوافر لدى
العامة، بل هو ملكة يمتلكها البعض.
0 إنه ليس شيئاً موروثاً بقدر ما هو ميزة وصفة
تكتسب بالتربية والخبرة والمران والتعليم.
0 يرتبط الحس الأمني بالإدراك الحسي الصحيح. ولهذا
فهو يستوجب سلامة الحواس لدى رجل الأمن.
0 يعتمد الحس الأمني على قوة الإيمان لدى رجل
الأمن, واليقظة العقلية, وحسن التوافق مع النفس والمجتمع.
0 يرتبط الحس الأمني بالمعارف الأمنية المتخصصة
والثقافة العامة.
0الحس الأمني ميزة خاصة قد يرجع لملكة غريزية
تنمى.
0 يقسم الحس الأمني إلى نوعين هما: حس أمني عام ,
وحس أمني خاص .
0 الحس الأمني يمكن صاحبه من إدراك الأمور التي قد
لا تكون لها دلالة ذاتية وإبراز مغزاها بطريقة صحيحة .
0 الحس الأمني أساس لبناء الحكم الشخصي بحيث يكون
عادلاً ومحايداً وصادقاً.
0 الحس الأمني يتكفل باستشعار الأخطار المحتملة,
وترجيح حجمها ومداها مما يمكن من سرعة وضع الخطة الأمنية الكفيلة بإجهاض هذه
المخططات العدائية أو مواجهتها فور وقوعها. فهو توقع وتنبؤ بخطر إجرامي.
وخصص الباحث
المبحث الرابع لبيان أهداف الحس الأمني, وأهمها:
0 الكشف عن مصدر الخطر الإجرامي قبل تحوله إلى
ضرر, وهو مازال في مهده لم ير النور.
0 محاولة الحس الأمني تأكيد الأدلة المبررة لكافة
الإجراءات الأمنية من حيث القبض والتفتيش أو بأعمال التحري مثل المراقبة.
الفصل الثاني:
نشأة الحس الأمني وتنميته
وقد قسمه الباحث
إلى ستة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول:
مراحل النشأة: فالحس الأمني يرتكز على نوعين من العناصر:الأول: ذو طبيعة وجدانية أو حسية, والآخر ذو
طبيعة موضوعية أو عقلانية. وقد مرت نشأة الحس الأمني بمراحل أساسية هي: مرحلة
الوجود الفطري, ومرحلة الظهور العارض, ومرحلة التوجيه العامد.
المبحث
الثاني: ماهية التنمية: أي ماهية تنمية الحس الأمني, إذ إن نجاح ملكة
الحس الأمني في تحقيقها لغاياتها وأهدافها يتوقف على كيفية تنميتها, من أجل
الانتقال بها من ملكة حسية فطرية يولد الإنسان وهو مزود بها إلى مكنة معرفية
موجهة, ومن ثم فتنمية هذه الملكة لا يختلف عن تنمية الملكات الحسية الفطرية, من
حيث خضوعها لأي معيار يصلح أو يناسب لتفسير وجودها لدى البعض، أو تبرير مقدارها عن
بقية الملكات الحسية الأخرى, أو عن الصفات الجسمية التي يتميز بها بعض الناس عن
بعضهم بشكل لا يستطيع معه الشخص الذي يتصف بها أو الذي لا يتصف بها تفسير سبب
توفرها أو عدمه.
المبحث
الثالث: أهمية تنمية ملكة الحس الأمني: يشير الباحث إلى أن علم
الباراسيكولوجي أو علم دراسة السلوك الغيبي يعتبر من العلوم التي اهتمت بدراسة الحس
الأمني باعتباره أحد الظواهر الإدراكية التي تقع خارج الحواس, وقد حرصت معظم دول
العالم المتقدم على الاهتمام بأبحاث هذا العلم الذي قدم مزيداً من الفهم العلمي
لكافة مشاكل الإنسان, واستفادت منه العلوم الجنائية، خاصة علم الإجرام.
لهذا فقد رأى
الباحث أنه من الواجب الانصياع لتطور هذا العلم والاعتراف بقدرة الملكة الحسية
الأمنية في تحقيق نتائج هامة لا يمكن الوصول إليها بوسائل الإدراك العادية في
المجال الأمني.ولكن يجب أن نضع بعين الاعتبار أن الأخذ بنتائج ملكة الحس الأمني ــ
كملكة غير مألوفة في المجال الأمني ــ مرهون بضرورة التميز بها, وحسن توظيفها في
كشف غموض بعض الجرائم التي تقع بعد ما عجزت وسائل الإدراك العادية عن التوصل لتلك
النتائج, مثال ذلك الجهاز السيكومتري أو قصاص الأثر.
المبحث
الرابع: مكانة الحس الأمني في المجال الأمني أشار الباحث الى أن بعض
الدول ما زالت بعيدة عن الأخذ بنتائج علم الباراسيكولوجي , وذلك لأسباب عدة ذكرها
, وأهمها : جهل الكثير من الباحثين لهذا العلم , والتكاليف الباهظة التي تتكلفها الأبحاث التي تجرى في إطار
هذا العلم .ثم تساءل الباحث عن مدى إمكانية الاستفادة من نتائج هذا العلم ووسائله،
وبالذات الحس الأمني في المجال الأمني.
ثم أجاب على
هذا التساؤل بقوله إن الاعتراف باستخدام الحس الأمني في المجال الأمني قد يكون محل
شك كبير من قبل بعض مسئولي الأمن, نظراً لخطورة ما يمكن أن يترتب عليه من تعرض
لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية دون دلائل كافية تبرر ذلك التعرض. ولكن هناك من
يرى أن الاعتماد على ملكة الحس الأمني في المجال الأمني أمر ضروري باعتبار هذه
الملكة من أهم الوسائل التي تمد رجل الأمن بالمعلومات والمعارف لمنع الجريمة وضبط
مرتكبيها, كما أن التخلي عن تلك الوسيلة غالباً ما يصيب العمل الأمني بقدر كبير من
النقص غير المقصود.
المبحث
الخامس: عوامل تنمية ملكة الحس
الأمني
أشار الباحث
إلى عدد من العوامل التي تؤدي دوراً فعالاً في تنمية ملكة الحس الأمني، أي تساعد
في زيادة درجة فعاليتها, وهي:
0 العوامل
الذاتية التي ترجع إلى شخصية رجل الأمن, مثال ذلك سلامة وسائل
المباشرة والإدراك لديه, كالحواس الخمس, وسلامة وسائل الإدراك غير المباشرة كتوظيف
العقل لاستشعار الوعي، أو الإحساس الحقيقي للوصول إلى الهدف المنشود.
ومن العوامل
الذاتية أيضاً وجود الرغبة في الاعتماد على الحس الأمني ـــ بعد الاعتماد على الله
سبحانه وتعالى ــ والتناغم أو التكامل بين الحس الأمني باعتباره مكنة أو ميزة حسية
شعورية والفهم أو التفكير باعتباره ميزة منطقية عقلية.
0 العوامل
الخارجية (البيئة): ومن أهمها معالجة القضايا الأمنية المختلفة, وغموض الأحداث،
وتنوع الجرائم، وإحساس رجل الأمن بالمسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقه, التورط
المفاجئ في أي عمل أمني خطير, وانعدام الأدلة الدامغة والكافية في بعض القضايا
الأمنية, مما يجعل من الصعب التنبؤ بأبعاد الخطر الإجرامي الواجب توقيه.
المبحث
السادس: وسائل (طرق) تنمية ملكة الحس الأمني
وأهم الوسائل
التي ذكرها الباحث:
0 التعليم
والتدريب,
وذلك باصطناع مواقف أمنية قريبة من الواقع، ورصد مدى إمكانية الاستفادة من ملكة الحس الأمني بصورة تحقق حسن
الإحاطة بالخطر قبل وقوعه، أو التعرف على مرتكبيه بعد وقوعه.
0 وسيلة
الممارسة والتوجيه, وذلك بوضع رجل الأمن بشكل مقصود في نطاق أعمال تعتمد في أدائها
على ملكة الحس الأمني, سواء في مجال منع الجريمة، أو في مجال ضبط مرتكبيها.
0 وسيلة
المشاهدة والتحليل: حيث يقوم القائد الأمني بتحليل القضايا والحوادث
التي اعتمد فيها على ملكة الحس الأمني, وإبراز النتائج والآثار التي كان يمكن أن
تترتب على عدم اللجوء إلى تلك الملكة.
أخيراً: أشار
الباحث إلى الاستدراج من حيث تعريفه، وأنواعه، وأغراضه، والصفات الواجب توافرها في
المستدرج الناجح, وكيف تتم عملية الاستدراج .
4- ورقة عمل
بعنوان : الأمن الفكري ، قدمها اللواء الدكتور / سعد بن علي الشهراني وكيل
كلية الدراسات العليا في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، وقد تضمنت هذه الورقة
مقدمة وستة عناصر هي :
1- الأمن :
الأمن ضد الخوف ، والأمن حاجة إنسانية أساسية
لايفوقها في الحاجات إلا الحاجات العضوية الضرورية مثل الماء والغذاء . ورأى أن
الأمن حاجة ضرورية وهو أيضا غاية فردية وجماعية ، يسعى اليها الجميع ، ولأنه كذلك
فإنه شرط ضروري للحاجات والنشاطات الإنسانية الأخرى ، على مستوى الأفراد والجماعات
والمجتمعات والدول والعالم .
والأمن في الدرجة الأولى ، وظيفة ومسئولية على
الفرد تجاه الضرورات الخمس له نفسه ، ولمن هو مسئول عنهم شرعاً ، كما أنه مسئول عن
تعديه أو تعدي من هو مسؤال عنهم شرعاً ، على الغير في ضروراتهم الخمس . إذ الأمن
في مستوى معين ، هو وظيفة ومسئولية فردية خاصة يقع عبئها على أولئك المكلفين شرعاً
، من أفراد المجتمع . وفي مستوى أخر ، الأمن وظيفة ومسئولية على المؤسسات
الاجتماعية المتمثلة في الأسرة والمجتمع المكلفين على المؤسسات التربوية والدينية
وغيرها .
2- الأمن
الفكري
فالانحراف والتطرف الفكري هو مشكلة أمنية في حد
ذاته ، سواء جرمته الشرائع والنظم والقوانين بنصوص قاطعة ، أو لم تجرمه .
والانحراف الفكري والسلوكي ليس سمة لازمة لفكر أو دين أو مجتمع أو زمن أو مكان
معين ، وإن اختلفت درجاته بين هذه المتغيرات . الانحراف الفكري ، أحد أهم مهددات
الأمن العام والسلم الاجتماعي ، خصوصاً في هذه المرحلة من تاريخ العالم ، التي
تتسم بالصراع الحضاري ، الضمني والمكشوف .
وبعد عرض تعريفات الأمن الفكري لدى المختصين رأى
الباحث أن مفهوم الأمن الفكري يشمل توصيف المهددات والأخطار والمصادر والأسباب
التي تؤدي؛ أو يمكن أن تؤدي إلى هز القناعات الفكرية أو الثوابت العقدية والمقوم
الأخلاقي والاجتماعي والديني للأمن الوطني ، والسياسات العامة والإجراءات
والنشاطات المطلوبة لحماية المنظومة العقدية والأخلاقية والقيمية من كل فكر شاذ أو
منحرف أو متطرف أو معتقد خاطئ ومواجهة ذلك بكل السبل والوسائل .
3- الفكر
والتطرف الفكري
فالفكر هو مجموع الرؤى العقلية حول موضوع معين؛
وهذا يشمل القيم والعقائد والمعرفة الإنسانية التي تشكل الفكر نفسه ، الذي أداته
الرئيسة العقل ، ووسيلة التعبير عنه تتركز في مهارتي الحديث والكتابة ، فضلاً عن
السلوكيات الإنسانية التي تشكل انعكاساً له .
والتطرف
الفكري ظاهرة اجتماعية وإنسانية قديمة. فقد كان الإنسان ولايزال منحازاً بدرجة أو
بأخرى لما يألفه ويعرفه، وربما لما يفيده ولما هو قريب منه مادياً أو معنوياً
زماناً ومكاناً ، ومتحيزاً بدرجة أو بأخرى ضد ماهو غير ذلك تقريباً .
وللإسلام حكمة
بالغة في النهي عن التطرف، لأنه يفرق ولا يجمع، ويؤسس للفتن، وينفر ويفتات على
الحقوق، ويقوم على التفسير والتأويل الخاطئ، ويولد المشقة حتى على المتطرفين
أنفسهم، ويتنافى مع الوسطية والاعتدال، والرحمة والرفق واليسر ، وهي قيم أسسها
وحماها الإسلام ، وهي من الفطرة السليمة للإنسان.
4- الانحراف
الفكري
إذا كان الفكر هو إعمال العقل وما تراكم من معرفة
في أمر معين ، فإن الانحراف الفكري يعني في هذه الحالة إعمال العقل في هذا الفكر
وثوابته، والتشكيك في أصوله وموضوعيته، وزعزعة الثقة فيه، وهز القناعات المتأصلة
من خلال هذا الانحراف الفكري. إذا
هو نقيض للفكر المتأصل في أمر معين .
والانحراف مفهوم شائع ومدروس في علم الاجتماع
بشكل عام ، وفي مجالات علم الاجتماع الجنائي وعلم الإجرام على وجه الخصوص ، حيث
ينسحب المفهوم على السلوك غير السوي، والذي قد يؤدي إلى مخالفة الشريعة والنظام ،
ومن خلال ارتكاب أفعال، أو القيام بأعمال تتنافى مع القيم والعقائد والنظام وتتطلب
محاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم ، والانحراف الفكري قد يكون سبباً رئيساً للانحراف
السلوكي .
وأداة
الانحراف الفكري : هي " العقل " وهدفه التأثير في العقول الأخرى .
والانحراف الفكري يستهدف تغيير الواقع الفكري للأمة، والتشكيك في ثوابتها، وهو
خروج بدرجة أو بأخرى ، من منظومة القيم ، وقد يكون نتيجة لمؤثرات خارجية ( الغزو
الثقافي ). وقد ينتج الانحراف الفكري من تفاعلات نفسية لها أسبابها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية ، وقد ينتج من التعرض لكم هائل من الأفكار والعقائد
الأخرى، أو من خلال الانفتاح، وعدم التحصّن أمام الثقافات والحضارات الأخرى .
والانحراف الفكري قد يأتي من نزغات الشياطين والنفس الأمارة بالسوء ، حيث يتوهم
هذا المفكر أو ذاك ، بأنه مصلح زمانه ، وأن المجتمع يسير في اتجاهات خاطئة، وأنه
لا سبيل للتقدم، إلا بتغيير منظومة القيم والعقائد والثوابت .
والانحراف الفكري أمر نسبي ويعتمد على من يحكم على من، بأنه منحرف فكرياً، أو أن
فكراً معيناً هو فكر منحرف.
الفرق بين
التطرف والانحراف الفكري هو في النوايا والانتماء، أكثر منه في الدرجة أو النتائج،
فالمتطرف فكرياً لا يقصد أصلاً الخروج من منظومة القيم والعقائد التي تشكل الفكر
الذي انطلق منه.
5- الآثار
الأمنية للتطرف والانحراف الفكري
لعل
أول ضحايا التطرف والانحراف الفكري هو الفكر نفسه الذي ينتمي إليه المتطرفون
والمنحرفون فكرياً ، حيث إن ثوابت وقيم هذا الفكر وفرضياته ومنطلقاته، تصبح مجالاُ
للتشكيك ، بما ينعكس على المؤمنين بهذا الفكر فتهتز قناعاتهم، ويتضعضع تماسكهم كجماعة
فكرية أو مؤمنة، في مقابل الفكر الأخر والمؤمنين الآخرين .
الضرورات الخمس للفرد المسلم وللمستأمن وللفئات
الاجتماعية المختلفة تتأثر بطريق
مباشر وغير مباشر ، عبر الزمان وعبر المكان
بالتطرف والانحراف الفكري، والعنف الذي يؤدي أو يمكن أن يؤدي إليه هذا التطرف.
والانحراف يصيب أول مايصيب " عقل " و" دين " المتطرف والمنحرف
نفسه. والانحراف والتطرف الفكري يستهدف عقول " " وعقائد " وقيم
الآخرين . ومن أهم الآثار الأمنية للانحراف والتطرف الفكري مايلي :
- التهديد المادي والمعنوي المباشر للضرورات الخمس،
وللأفراد والجماعات، وتحطيم المكتسبات العامة والخاصة .
- إشاعة جو من الخوف في المجتمع .
-
إيجاد نوع من الاستقطاب الفكري العقدي والسياسي والاجتماعي .
-
هز القناعات الفكرية والإيمانية والثوابت العقدية والتشويش على العامة.
-
تأزيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، عن طريق استعداء السلطات على الفئات
الاجتماعية الأخرى .
-
تأزيم العلاقة مع الآخر ، ووضع الدولة والمجتمع والأفراد أمام خيارات صعبة، والدفع
بهم إلى التهلكة أحياناً .
6- استشراف
المستقبل – الدور الأمني الممكن للمؤسسات التربوية
رأى الباحث أن
المؤسسات التربوية تؤدي دوراً رئيساً في التنشئة الاجتماعية العامة ، وترسيخ
العوامل النفسية والمعنوية ذات الأثر الواضح في الضبط الاجتماعي. ولاشك أن أهم
المؤثرات التربوية تأتي من المصادر الآتية :
- المقررات التعليمية ومفرداتها .
- المعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات .
-
الإدارة التعليمية في كل مستوياتها .
-
المناهج والطرق والأساليب التعليمية والتربوية .
-
الجسم الطلابي والحرم المدرسي والجامعي والبيئة التربوية .
فلهذه
المؤسسات دور ممكن للتأثير في الاتجاهات والسلوك الأمني للطلاب والشباب في قضايا
مثل المخدرات السلامة المرورية وغير المرورية، والضبط الاجتماعي، وتماسك الأسرة
والمجتمع، والعلاقة مع السلطة وغيرها من القضايا والمشكلات الأمنية.
أما فيما يتعلق بالتطرف والانحراف الفكري ، فإن
للمؤسسات التربوية دورا مهما في تعويد الطلاب على الحوار والمنطق، ومحاولة فهم الفكر المخالف أو
المختلف، ومعرفة الحقوق العامة والخاصة، وحق ولاة الأمر والعلماء وقادة الرأي وأهل
الحل والعقد، وتحذيرهم من محاولة جذبهم لتيارات فكرية معينة، ضد ثوابتهم وواقعهم
الديني والسياسي والاجتماعي هذا يأتي ، في هذه المرحلة ، عن طريق :
- تضمين مفردات المقررات التعليمية مواد علمية
تعتمد على الحوار والإقناع والحجة والمنطق .
- توسيع مفردات مواد التربية الإسلامية لتشمل
الرؤية الأوسع والأشمل للعلماء والمجتهدين .
-
التركيز في المناهج والمقررات على وسطية الإسلام وفضيلة الاعتدال والرفق.
-
تضمين مفردات مواد التربية الإسلامية في المرحلة الثانوية شرحاً وافياً للرؤية
الإسلامية الصحيحة لمفاهيم ، مثل : حق ولي الأمر والحق العام، والجهاد والتكفير،
والاستشهاد والولاء والبراء، والتترس، ودفع الصائل، وفقه الواقع لبعض النصوص
الشرعية التي أسيئ فهمها وتفسيرها من قبل بعض الفئات.
5 - ورقة عمل
بعنوان: "محاضن الشباب ورسالتها التربوية ", رسالة تربوية موجهة
للقائمين على الإشراف الثقافي والشبابي بالأندية الرياضية", قدمها الدكتور
صالح بن حمد العساف, الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية. وقد تضمنت هذه الورقة مقدمة, وخمسة عناصر على النحو التالي:
(أ) مفهوم
التربية:
في اللغة وفي الاصطلاح العام, حيث يقصد بها تنمية جوانب النمو الجسمية والعقلية
والروحية والاجتماعية لدى الإنسان, ويميز النمو العقلي الإنسان عن بقية الكائنات
الحية, والعقل يمكن أن ينمى في تعلم ما يضر البشرية في مجتمع ما, ويمكن أن ينمى في
تبرير الوسيلة للغاية في مجتمع ( كتشريح الإنسان ).
كما أشار
الباحث إلى أن هناك مفهوما آخر اصطلاحيا خاصا للتربية يبدو في أن الاتجاه نحو
تحرير تنمية جوانب النمو من التبعية المرجعية الفكرية قد أضاف تحديداً للتربية
يعرضه المربون طبقاً لما يعتقدونه من مبادئ، وما يؤمنون به من أفكار’ فالمسلمون
حددوا مفهوماً خاصاً للتربية، مفاده أن تنمية جوانب النمو الجسمية والعقلية
والروحية والاجتماعية لدى المسلم يتم طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية, ومن ثم فإن
من أهم مقتضيات هذا المفهوم الخاص للتربية: أنه خاص بالمسلم, وأنه شامل لجميع
جوانب النمو لديه, وأنه ملتزم ومنضبط بما تقرره الشريعة الإسلامية من حلال وحرام,
وأنه متوازن، فلا يطغى تنمية جانب على تنمية جانب آخر, وأنه يبين سر قيمة الإنسان
على سائر الكائنات الحية.
(ب) تربية
متوازنة.
فالنهج الرباني هو منهج تربوي متوازن، أعطى كل جانب من جوانب النمو حقه دون أن
يؤثر على الجانب الآخر. فالجانب الجسمي يجب أن تستهدف تنميته جسم الإنسان ليكون
جسماً قوياً صحيحاً. أما الجانب العقلي فيجب أن تستهدف تنميته الارتقاء بعقل
المسلم والوعي لديه، ليبني حضارة ويسهم في رقي مجتمعه, والجانب الروحي
"الديني" تستهدف تنميته ليكون المسلم دائم المراقبة لله عز وجل راجياً
خائفاً بتوازن يكفل له الراحة.
والجانب
الاجتماعي تستهدف تنميته أن يصبح المسلم مفيداً لمجتمعه، متفاعلاً مع حاجاته, يسعى
لتحقيق آماله ويعمل على تخفيف آلامه, فكما ينشد السعادة لنفسه يتعين عليه أن يسعى
لتحقيقها لمجتمعه.
ثم خلص الباحث
إلى القول بأن كل جانب من جوانب النمو قد أولاه المنهج التربوي الإسلامي ما يستحقه
من عناية دون أن يؤثر على الآخر.
(ج) عرض
الباحث رسماً تخطيطياً للصورة المثالية لتنمية جوانب النمو لدى المسلم, واستخلص
منه أن هناك توازناً في تنمية هذه الجوانب بحيث لم يخصص لجانب منها نسبة أعلى من
غيره, وهذا ما تسنده الأدلة من الكتاب والسنة النبوية المطهرة قيمة لا رقماً.
(د) بعد ذلك عرض
الباحث رسماً تخطيطياً لصورة خاطئة لتنمية جوانب النمو لدى المسلم.
(هـ) بين
الباحث نتائج عدم التوازن التربوي, فأورد مقولة مشهورة في هذا الصدد
مفادها: " عندما تواجه أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات أزمة من الأزمات،
أو تصاب بنكبة من النكبات فالتراجع منهجها التربوي ", وأشار إلى أنه عند
تطبيق مدلول هذه العبارة على المجتمع الغربي يتضح أن هذا المجتمع رغم تقدمه المادي
فإنه يعاني من أزمة في الجانب الروحي وفي الجانب الاجتماعي, فالرذيلة هي السائدة
والأنا هو المسيطر, بينما له ـــ بالمقابل ــ الريادة في التقدم العلمي والصحي ,
وما ذلك إلا لعدم التوازن في تنمية جوانب النمو . وعرض الباحث في ختام ورقة العمل
صورة حقيقية تشخص تلك النتائج.
نظرة عامة
على أعمال الحلقة العلمية
لا شك في
أهمية هذه الحلقة العلمية التي عالجت موضوعاً من أهم الموضوعات التي تطرح في الوقت
الحاضر, نظراً لأنه يتعلق بمكافحة
الإرهاب, وكيف يؤدي الحس الأمني دوراً فعالاً ومؤثراً في هذا الصدد. ومع ذلك نلاحظ
على هذه الحلقة ما يلي:
1 - اقتصار المشاركة فيها على العاملين في
الإشراف الثقافي والشبابي بالأندية الرياضية, وذلك على الرغم من أهمية موضوع الحس
الأمني لرجال الضبط الجنائي بصفة عامة، ورجال الشرطة بصفة خاصة, بل وأهميته ليس
فقط لرجال الضبط الجنائي ولكن أيضاً لرجال الضبط الإداري, فتوافر الحس الأمني
وتنميته لدى رجل الأمن من شأنه أن يسهم بشكل مباشر وفعًال في نجاح رجال الأمن على اختلاف تخصصاتهم
في أداء واجبهم الوطني في مكافحة الجريمة بأشكالها كافة, وذلك بمنع حدوثها، وضبط
المجرمين الذين ترجح أدلة اتهامهم, وتقديمهم لأجهزة العدالة الجنائية المختصة
لمحاكمتهم وتنفيذ العقوبات الشرعية والنظامية عليهم . لهذا فإنني أرى أنه نظراً
لأهمية هذا الموضوع من الناحية العملية أن تعقد له ندوات, وحلقات علمية, ودورات
تدريبية, بحيث لا تقتصر على العاملين في مجال الإشراف الثقافي والشبابي بالأندية
الرياضية, وإنما يتم تعميمها على مختلف القطاعات الأمنية ورجال الضبط الجنائي، حتى
تتحقق الثمرات المرجوة على نحو أفضل.
2 - إن بعض
الأوراق المقدمة قد سعى إلى تأصيل بعض المفاهيم المرتبطة بموضوع الحلقة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية
الغراء , وهذا يعد أمراً هاماً لأن الشريعة الإسلامية هي المرجعية الأساسية لكل
الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية , ومن ثم فهي المرجعية للأعمال
التي يقوم بها رجال الأمن في مكافحة الجريمة.
3 - إن أوراق
العمل المقدمة قد خلت تماماً من التوصيات , كما خلت الحلقة العلمية من التوصيات
الختامية, وهذا يعد أمراً طبيعياً, إذ إن أهم ما يميز الحلقة العلمية عن الندوة
وعن المؤتمر, إن الحلقة لا تتضمن توصيات ختامية , وإنما تقتصر على دراسة موضوع
معين في صورة محاضرات يقدمها كل محاضر من أعضاء الهيئة العلمية للحلقة، ويتم التعقيب
من قبل المشاركين, ويفتح باب الحوار
والمناقشة بين الحضور, أما الندوة العلمية والمؤتمر العلمي فيتضمن كل منهما توصيات
ختامية .
4 - إن الهيئة
العلمية التي شاركت في هذه الحلقة تضمنت نخبة من الأساتذة الأكاديميين والقيادات
الأمنية التي لديها خبرة عملية متميزة في موضوع الحلقة, كما أنها جمعت بين
التخصصات الشرعية و الأمنية والاجتماعية ,و مما لا شك فيه أن امتزاج هذه الخبرات
المتنوعة يحقق فوائد هامة للحضور , خاصة في موضوع شائك ومتعدد الجوانب وهو موضوع الإرهاب الذي أضحى يشكل محور
اهتمام جميع الأجهزة والهيئات العلمية والأفراد على المستويين الداخلي والدولي .
5 - إن
الأوراق العلمية التي قدمت في هذه الحلقة قد تفاوتت في حجمها , مما انعكس على المساحة
التي خصصناها لعرض مضمون كل منها .